الخميس، 8 يونيو 2017

الانتخابات البريطانية : سيناريوهات الاسواق مرتبطة بصناديق الإقتراع


UpTrend.tk- بدت خطوة رئيسة الوزراء البريطانية (تيريزا ماي) التي اتخذتها في أبريل الماضي، عندما قامت بالدعوة إلى إجراء انتخابات مبكرة والتي من المقرر اقامتها اليوم  8 يونيو، وكأنها خطوة تكتيكة محنكة في ذلك الوقت. فلقد كانت رئيسة الوزراء، التي تم تعيينها بدلاً من انتخابها، تتطلع إلى إضافة المزيد من المقاعد البرلمانية لحزبها، وكذلك تعزيز شرعيتها عبر ديمقراطية الانتخابات بدلاً من التعيين. في ذلك الوقت، كان حزب المحافظين، الذي تقوده (ماي)، يتقدم بنحو 18 نقطة تقريباً في إستطلاعات الرأي الأولية، والتي كانت تظهر أن 43.2٪ من الأصوات ستذهب لحزب المحافظين، مقابل 25.4٪ فقط لحزب العمال المعارض ومرشحه (جيريمي كوربين).
ولكن ومنذ ذلك الحين، إستطاع حزب العمال أن يضييق الفجوة بشكل مثير. ففي الوقت الذي ظل فيه دعم الناخبين لحزب المحافظين ثابتاً، إرتفعت شعبية حزب العمال بمقدار 11 نقطة مئوية خلال شهر ونصف الشهر فقط، مما يترك هامش الخطأ المتاح أمام (ثيريزا ماي) في انتخابات اليوم الخميس دون مستوى الـ 7 نقاط مئوية. ولكن في السياسة، كما هو الحال مع الكثير من الأمور الأخرى في الحياة، فإن الأمور لا تعتبر منتهية أو محسومة إلا عندما يتم إصدار النتيجة النهائية للإنتخابات بشكل رسمي، وهو درس تعلمته الأسواق العالمية بألم كبير في يونيو الماضي، عندما صعقت إرادة الشعب البريطاني الأسواق بتصويت الناخبين لمصلحة الخروج من الإتحاد الأوروبي (البريكزيت)،ومرة أخرى في نوفمبر، عندما حقق (دونالد ترامب) الفوز غير المتوقع في الإنتخابات الرئاسية الأمريكية.

وبما أن (تيريزا ماي) هي التي تمثل الوضع الراهن، فإنه لا يتوقع أن يتغير الكثير على الساحة البريطانية في حالة فوزها في الانتخابات. حيث سيبقى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ثابتاً على جدول الأعمال وستطمئن الأسواق تجاه الاستقرار الذي يمثله إنتصارها هذا. ولكن ماذا لو حصلت المفاجاة وفاز (جيريمي كوربين) وحزب العمال في هذه الإنتخابات؟

الرجوع عن الخروج البريطاني من الإتحاد الأوروبي (بريكزيت)؟

في حالة فوز حزب العمال، فإن ذلك لا يعني الرجوع عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. لقد إنطلقت عملية خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي من خلال إستفتاء شعبي، لذلك، ما لم يفوز حزب العمال بأكثر من 50٪ من الأصوات، فإنه لا يمكن أن يدعي أن لديه تفويض شرعي للعمل ضد نتائج ذلك الاستفتاء. بالإضافة إلى ذلك، فإن (كوربين) نفسه لم يشجع الفكرة، ففي حديثه بعد يومين من إعلان (ماي) عن الانتخابات المبكرة في شهر أبريل الماضي، إستبعد الزعيم العمالي إجراء استفتاء ثاني للتصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مما يضعف وبقوة من إحتمالات أن تحاول حكومة المملكة المتحدة عكس مسار عملية الخروج من الإتحاد الأوروبي.

وبغض النظر عن ذلك، فإنه حتى لو أرادت المملكة المتحدة إيقاف عملية الخروج من الإتحاد الاوروبي، فإن الإطار القانوني والسياسي لمناقشة ذلك غير واضح، وسيعود الأمر إلى الاتحاد الأوروبي بنفس القدر، وربما أكثر، مما يعود إلى بريطانيا.
ولكن الذي سيكون بين أيدي حزب العمل، في حال فوزه، هو المفاوضات المؤدية إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وكان السير (كير ستارمر)، والذي يفترض أن يكون المفاوض الرئيسي في العملية في حالة فوز حزب العمال، قد هاجم مؤخرا نهج (ماي) في المفاوضات، قائلاً:
"لقد أزالت الكثير من الخيارات من على الطاولة، وإستخدمت لهجة عدائية فعلاً مع زملائنا في الاتحاد الأوروبي".
ما سيحاول حزب العمال فعله في حال فوزه، هو الوصول إلى إتفاق تجاري تحتفظ فيه المملكة المتحدة بحرية الدخول إلى الاتحاد الأوروبي بدون رسوم جمركية، مع تقييد الوصول من دول الإتحاد إلى أراضيها. غير أنه من غير المتوقع أن يقبل الاتحاد الأوروبي بهذه الشروط.
كيف سيؤثر هذا التغيير في المنهجية على الأسواق؟إن الشيء الوحيد المؤكد هو أننا في حالة من عدم التأكد.

الجنيه الضعيف

إن حالة عدم التأكد دائماً ما تكون سيئة بالنسبة للأسواق، بغض النظر عن الأصول المتداولة فيها. لقد كان ذلك هو الحال على مر الزمان، وسيبقى الحال كذلك على الدوام.
يعود السبب في ذلك إلى أن حالة عدم التأكد تعني الإضطرار إلى الاعتماد على المجهول، وهو الأمر الذي يثير مخاوف المتداولين والمستثمرين. لكن وعلى الرغم من كل ذلك، ليس من الصعب التنبؤ بشيء واحد مؤكد: ارتفاع حدة التقلبات في الأسواق، على المدى القصير على أقل تقدير.
وبالنسبة لما وراء ذلك، فإنه لا يمكننا إلا التكهن، أو الحديث عن أمثلة سابقة من التاريخ الحديث.إن النظر إلى الرسم البياني لمؤشر الجنيه الإسترليني يمكن أن يساعدنا على قياس رد فعل العملة البريطانية لأحداث سابقة.
عندما أعلنت (ماي) عن الانتخابات المبكرة، وذلك في 18 أبريل، حقق مؤشر الجنيه الإسترليني مكاسب حادة بلغت 1.6٪ على أساس هذا الإعلان وعلى أساس استطلاعات الرأي. في حينها، تم رسم صورة مؤكدة للنصر، وأحب الجنيه الإسترليني ذلك.
ولكن ومنذ ذلك الحين، وبسبب أن تقدم حزب المحافظين و(تيريزا ماي) في إستطلاعات الرأي كانت تتقلص ببطء، فلقد إنخفض المؤشر، ليصل إلى مستوى دون ذلك المستوى الذي كان عنده قبل الإعلان عن الانتخابات. وهذا ما يوحي بأنه في حال فاز حزب العمال بالإنتخابات، فإن الجنيه الإسترليني سيتضرر.

لقد كانت أحدث مفاجاة سياسية تسببت بإضطرابات هزت الأسواق العالمية، هي الانتخابات الرئاسية الأمريكي الأخيرة. في ذلك الحين، وفي تداولات يوم الانتخابات التي جرت بتاريخ 8 نوفمبر من العام الماضي، سقط مؤشر الدولار الأمريكي سقوطاً مدوياً، من 98.1 إلى 95.9 في غضون ساعات. ولكن وعلى العكس من ذلك، سرعان ما تعافى في الساعات التي تلت ذلك السقوط، قبل أن ينجح في الوصول إلى أعلى مستوى له في 14 عاماً، عند 103.8، وهي القمة التي وصلها يوم 3 يناير من العام الحالي.

الأسهم: الفائزون والخاسرون

على الجانب الإيجابي بالنسبة لحزب العمال، فإن الحزب وعد بتوسع كبير في الإنفاق الإستثماري (في فكرة مشابهة لمشروع البنية التحتية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب) وهو ما يمكن أن يدفع الجنيه الإسترليني إلى الأعلى. ولكن مع ذلك، إلإ أن هذا لا يعني أن هنالك أي أوجه للتشابه بين حزب العمال البريطاني والحزب الجمهوري الأمريكي، فترامب وكوربين يحملان وجهات نظر مختلفة جذرياً حولالقيام بالأعمال التجارية والإقتصاد ككل. إن هذه الاختلافات تمنع وبشدة أي مقارنة بين التأثيرات المحتملة لفوز كوربين، وتأثيرات فوز ترامب الإيجابية على أسواق الأسهم
يعتبرالجمهوريون، ولا سيما بوجود ترامب على رأسهم، مؤيدين معروفين للأعمال التجارية، ولقد كانوا كذلك على مر العقود، في حينأن حزب العمال يطالب بإعادة تأميم السكك الحديدية وقطاعات المياه والطاقة، بالإضافة إلى البريد الملكي الذي أصبحت أسهمه تتداول في سوق الأسهم البريطانية. إن التحرك نحو التأميم يتسبب في إخافة الأسواق، ويضع عقبة أمام الشركات والأعمال والمشاريع،وبالتالي فإن إنتصار كوربين سيكون بكل تأكيد ضاراً بمؤشر فوتسي 100 اللندني والشركات التي يريدحزب العمال تأميمها.

من وجهة نظر الأسهم، فإن أي تحركات تهدف إلى تأميم الشركات من شأنها أن تضر أولاً بالقطاعات التي يتجه العمال نحو تأميمها، وهي بشكل رئيسي قطاعات المرافق في هذه الحالة. لقد شهد سهم شركة ناشيونال غريد والتي تعمل في مجال توزيع الطاقة الكهربائية والغاز الطبيعي، تراجعاً كبيراً بنسبة 6٪ في تداولات الأسبوع الماضي. أماسينتريكا والتي تعمل في مجال توزيع الغاز، فلقد سقطت بنسبة 5.5٪ خلال الأسبوعين الماضيين. من جهة أخرى، تراجعت أسهم كل من شركة الكهرباء سي سي إي وشركة الماء سيفيرن ترنت بنسبة 5٪ و3.5٪ على التوالي.
كلما إرتفعت إحتمالات التأميم، زاد الضعف الظاهر على أداء أسهم شركات المرافق التي تتداول في سوق الأسهم في المملكة المتحدة. إن هذه العلاقة الإرتباطية (ناهيك عن كونها علاقة سببية) لا بد أن تستمر، بل وتتعمق، في حال فوز حزب العمال في الانتخابات البريطانية المقررة اليوم الخميس.

هناك قطاع آخر معرض للخطر، وهو قطاع المال والمصارف. بشكل عام، فإن القطاع المالي ليس هو القطاع الاقتصادي المفضل لليسار على أي حال،لكن مستشار الظل (جون ماكدونيل) قال إن حزب العمال سيغير القوانين المصرفية بهدف منع البنوك من إغلاق الفروع المحلية.
وفي حين أن مثل هذا القانون قد يتم إقراره وقد لا يتم، فإن هذا التصريح بحد ذاته يشير إلى أن حزب العمال لديه رغبة حقيقية في التدخل في القطاع المالي. وبالتالي، فليس من المستغرب أن نرى أسهم الشركات المصرفية، مثلها مثل الكثير من شركات المرافق، تظهر تراجعاً واضحاً في أسعار أسهمها. ففي قطاع البنوك، تراجعت أسعار أسهم كل من رويال بانك أوف سكوتلاند ومجموعة لويدز المصرفية بنسبة 5٪ خلال الأسبوعين الأخيرين، فيما تراجعت أسهم بنك باركليز بنسبة 1٪ فقط.
قديعتقد البعض أن رغبة حزب العمل في الرجوع عن قرار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سوف تهدئ الأسواق، ولكننا نعتقد أن موقفهم الداخلي هو جزء لا يتجزأ من جدول أعمالهم، وإذا ما حققوا الفوز في انتخابات يوم غد، فإن ذلك سيسمح لهم بتنفيذ إصلاحاتهم المقترحة، في حينأن تصور حزب العمال حول الكيفية التي ستجري بها المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي، لا يتوقع أن تتطابق مع ما سيحصل على أرض الواقع.

على الرغم من أن انتخابات اليوم قد تمت مقارنتها بشكل متكرر بالتصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكزيت) قبل نحو عام من الأن، إلا أن الرهانات الآن أعلى بكثيربالنسبة للشؤون الداخلية في البلاد. لقد كان الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي هو مسألة "إذا" تبعتها مسالة "كيف"، وهي التي لا تعتمد كلياً على حزب واحد يستلم سلطات الحكم، بل يمكن أن تتحملها الأسواق على المدى الطويل.
إن انتخابات اليوم سيكون لها تأثير أقوى على الأسواق. وسيتحكم الحزب الذي سيتواجد في السلطة اليوم في الإنفاق على البنية التحتية، وسيحدد النهج الذي تتبعه الأعمال التجارية والشركات، وهو ما سيحدد بدوره إلى أين ستذهب الأسواق لفترة طويلة بعد إنتهاء الانتخابات.


وقد قال الخبير السياسي إيان بيغ من جامعة لندن "سكول أوف ايكونوميكس"، إن الحصول على فارق في عدد المقاعد بأقل من 50 سيعتبر أداء سيئا جدا لتيريزا ماي، مضيفا أن ماي ستفوز على الأرجح، ولكن بأقل مما كانت تتوقع عندما دعت إلى هذه الانتخابات.